القرطبي

128

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الزجاج : هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا ، أي كلوا من الحلال . وقال الطبري : الخطاب لعيسى عليه السلام ، روى أنه كان يأكل من غزل أمه . والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية . ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له . وقيل : إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي ، لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها . فيكون المعنى : وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، كما تقول لتاجر : يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا ، فأنت تخاطبه بالمعنى . وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه ، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين ، وإنما خوطب كل واحد في عصره . قال الفراء : هو كما تقول للرجل الواحد ، كفوا عنا أذاكم . الثالثة - سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى : " إني بما تعملون عليم " صلى الله على رسله وأنبيائه . وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم . وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع ( 1 ) ، والحمد لله . وفي قوله عليه السلام ( يمد يديه ) دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء ، وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله ( 2 ) . وقوله عليه السلام ( فأنى يستجاب لذلك ) على جهة الاستبعاد ، أي أنه ليس أهلا لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما . قوله تعالى : وإن هذه أمتكم أمة وحدة وأنا ربكم فاتقون ( 52 ) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما فرحون ( 53 ) فذرهم في غمرتهم حتى حين ( 54 )

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 177 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 198 ، وص 223 .